ابن الجوزي
210
صيد الخاطر
نجاني من شرهم . ثم إني أقمت عليه البينة عند الحاكم ، فقال بعض أرباب الدنيا للحاكم : لا تحكم له . فوقف عن الحكم بعد ثبوت البينة عنده ، فرأيت من هذا الحاكم ومن حاكم آخر أعلى منه من ترك انفاذ الحق حفظا لرئاستهم ما هوّن عندي ما فعله ذلك الشيخ حفظا لماله ، لجهله وعلم هؤلاء ، فتجلى لي من الأمر أن العادات غلبت على الناس ، وأن الشرع أعرض عنه ، وان وقعت موافقة للشرع فكما اتفق أو لأجل العادة ، فان الانسان لو ضرب بالسياط ما أفطر في رمضان . عادة قد استمرت ، ويأخذ أعراض الناس وأموالهم عادة . فكم رأيت هذا الشيخ يصلي ويحافظ على الصلاة ، ثم لما خاف فوت غرضه ترك الشرع جانبا . وكم قد رأيت أولئك الحكام يتعبدون ويطلبون العلم ، غير أنهم لما خافوا على رياستهم أن تزول تركوا جانب الدين . ثم إن اللّه تعالى نصرني عليه وتقدم إلى الحاكم بانفاذ ما ثبت عنده ، ودارت السنة فمات الشيخ على قلّ « 1 » . فنسأله عز وجل التوفيق للانقياد لشرعه ومخالفة أهوائنا . 166 - عزلة العالم ما أعرف للعالم قط لذة ولا عزا ولا شرفا ولا راحة ولا سلامة أفضل من العزلة ، فإنه ينال بها سلامة بدنه ودينه وجاهه عند اللّه عز وجل وعند الخلق ، لأن الخلق يهون عليهم من يخالطهم ، ولا يعظم عندهم قول المخالط لهم ، ولهذا عظم قدر الخلفاء لاحتجابهم « 2 » . وإذا رأى العوام أحد العلماء مترخصا في أمر مباح هان عندهم . فالواجب عليه صيانة علمه وإقامة قدر العلم عندهم ، فقد قال بعض السلف : كنا نمزح ونضحك ، فإذا صرنا يقتدى بنا فما أراه يسعنا ذلك . وقال سفيان الثوري : تعلموا هذا العلم وأكظموا عليه ، ولا تخلطوه بهزل فتمجه القلوب . فمراعاة الناس لا ينبغي أن تنكر . وقد قال صلّى اللّه عليه وسلم لعائشة : لولا حدثان قومك في الكفر لنقضت الكعبة وجعلت لها بابين . وقال أحمد بن حنبل في الركعتين قبل المغرب : رأيت الناس يكرهونهما فتركتهما .
--> ( 1 ) أي على قلة وحاجة . ( 2 ) ما احتجب أبو بكر ولا عمر ، وكانوا هم أعظم قدرا ، انما يعظم أقدار الحكام اتباعهم الشرع ، ولو مثل القارئ لعز الحجاب وذل العرض ، بحجاب المرأة أمس ، وسفورها اليوم . لكان أقرب وأصوب .